إلــــى الأمــــام


 
الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخولدخول  

شاطر | 
 

 التخلف الاجتماعي.3

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
bennij



عدد الرسائل : 3
تاريخ التسجيل : 27/03/2007

مُساهمةموضوع: التخلف الاجتماعي.3   الثلاثاء مارس 27, 2007 4:42 pm

خلاصة القول أن الجماهير العربية تسكنها قناعة بعجزها عن التأثير في قرارات حكامها. وهي حالة ناجمة عن نفسية الانسحاق الموروث عن تخلف رسّخه قهر السلطة للجماهير الشعبية وتهميشها. فقد درجت أنظمة الحكم العربية على مسرح العصر الحديث تواصل نهج تهميش الجماهير وإخضاع نشاطها للعفوية والارتجال. قامت أنظمة نمطية لحكم العشيرة وقوانينه الصارمة المستندة إلى سطوة الفرد المطاع عرفت الشعوب العربية الدولة منذ العصر الوسيط، لكنها لم تعرف المؤسسات التمثيلية وحكم القانون. أقيم سد منيع بين الإنسان وبين الكرامة والعقل. تمظهرت نفسية الانسحاق عبر القرون استكانة للاستلاب والتهميش المتعين في الجبرية، ورضوخاً لسطوة الحكم. وتقبع نفسية الانسحاق خلف ظاهرة التهيج الانفعالي وانتشار عدواه، مما يسفر عن عجز دائم عن التفكير الموضوعي، وكذلك في نزعة شتم الذات القومية وعدم الثقة بالآخرين، والانغلاق الاجتماعي. وهذه النفسية هي العقبة المعطلة للتغيير الديموقراطي ومصدر ضعف تيار الديموقراطية في المجتمعات العربية.

ومع تشكل الدول الوطنية أمكن للسلطة احتواء القطاع الأوسع من المثقفين، وغيبت حكم المؤسسات والقانون في إطار حكم الفرد. عملياً جاءت النظم الحديثة مستنسخة عن النظام العثماني، وحملت جيناته المريضة. استحوذت الأنظمة على جهازي التربية والإعلام، فاستمدت سلطة شبه مطلقة في إنتاج الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاج التخلف واستلاب الجماهير. تعززت الاختلالات واستفحلت، مما أوهن قيم الثقافة الوطنية. ضمن هذه الملابسات فقدت الثقافة استقلاليتها النسبية وأتبعت للسلطة. وإذ تفقد الثقافة استقلاليتها فإنها تفقد طاقتها الإبداعية والتنويرية، وتتعطل وظيفتها الجوهرية في تحرير الإنسان.

من جهة أخرى تدفق الإنتاج الثقافي الغربي يطلق على الروح المنهكة ثقافته المسخ، ثقافة التسلية والإلهاء والتخدير. مسخت الثقافة سلعة تتوسل رضا اليد التي توقع الشيكات. زيفت تنمية الإنتاج فاستحالت تنمية للاستهلاك، واختزلت المعرفة العلمية نتف معلومات تُستحلب في المسابقات. حطت بالعلم من شاهق التفكير النقدي وتفهّم معنى الحياة وسبل تغيير الواقع، إلى حضيض استظهار الأجوبة واجترار المعلومات. إنداحت حمى المسابقات الرياضية لتغمر ميدان العلم والثقافة ولتكرس النجومية وفوز الفرد المتربع على القمم، حذو أنظمة القهر والنظام العولمي، وذلك على حساب جماعية التعاون والتسامح. قزمت التنمية البشرية جواز مرور لأصحاب المواهب إلى وظائف بيروقراطية وسطوة متعالية على المجتمع.

والخطأ يستنبت الخطأ الأفدح. فعلى إثر هزيمة حزيران تفجرت التداعيات المهيجة للمشاعر، فارتفعت شعارات أحالت الثقافة على التقاعد، إذ حشرتها داخل عباءة السياسة: "كل شيء يتقرر من فوهة البندقية"، "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، "الكفاح المسلح هو الأكثر جذرية وجدوى". جرت مركزة الجهد الكفاحي الأساس في الكفاح المسلح الفلسطيني، تحت وهم أن الحسم في معركته يحسم الصراع في المنطقة. وانضوت الأكثرية الساحقة من المثقفين الفلسطينيين وأعداد غفيرة من المثقفين العرب في إطار الثورة الفلسطينية وعملوا داخل أجهزتها البيروقراطية. غابت مهمة تحرير الإنسان أولاً، وتطعيم الشجاعة بالتربية الثورية كشرط لخوض النضال المثابر والمعقد والظافر. ومع امتلاك البندقية حدثت انحرافات معيبة أنعشت قهر العصور. في هذه الأثناء حصلت تلك التداعيات السلبية داخل المجتمعات العربية كافة، والتي عززت تبعيتها الاقتصادية والسياسية والثقافية لمراكز الرأسمالية العالمية. همّش الحكام مجتمعاتهم فتهمشت دولهم على الصعيد العالمي. ورغم الدرس القاسي لعدوان عام 1982 على لبنان، حيث تجلت عزلة النضال الفلسطيني عن الأنظمة والجماهير العربية، لم تستوعب الثقافة العربية في كل قطر عربي أن الدعم الفاعل للكفاح الفلسطيني يتمظهر في إنهاض حركتها الجماهيرية من أجل انتزاع حق التعبير وحق التنظيم وحق ممارسة الإرادة المستقلة عن الأنظمة وضد سطوة الأنظمة. الثقافة العربية، في قطاعها الأوسع والأكثر فاعلية، تغفل الحق في الديموقراطية، ولا تمارس فضيلة المراجعة النقدية، فتتكرر معاناة العزلة تحت الضربات المميتة.

وتنتكس الجماهير الفلسطينية بعد انتفاضتها التي أسفرت عن قيام السلطة الوطنية. حدثت تجاوزات مخلة واعتداءات على الجماهير من جانب الأجهزة، وغاب النقد. صدرت انتقادات خجولة غير مثابرة. والتصدي المثابر للتجاوزات، وللفساد على وجه الخصوص، مظهر حضاري. حقاً، فالفساد ظاهرة عالمية مقترنة بنشاط الرأسمال العالمي، لكنها لم تكتسب الحصانة ضد الملاحقة القانونية، والتساهل إزاءها دليل غياب سلطة القانون. بينما التعامل الحضاري مع الجماهير وفيما بين الأفراد يكسب الموقف الفلسطيني مزيداً من التعاطف الدولي.

راوحت المجتمعات العربية كافة طوال قرن من الزمان في فلك التبعية والخضوع لهيمنة أنظمة الاستبداد السياسي والفكري، طبقاً للنمط العشائري الموروث. استعادت العشائرية شبابها نتيجة ارتباطها بالوافد الغربي ودخلت عنصراً تركيبياً في نظام الكولنيالية الذي رابط عند خط التماس مع العصر الوسيط. غدا النظام بتركيبته محطة للفكر السلفي في نكوصه إلى "عصر ذهبي"، لكنه راوح عند نُماذج من النظام الاستبدادي العثماني، وضاعت فرصة تحقيق التقدم وولوج الحضارة العصرية.

ومن جهة مقابلة يعود فضل النجاح للوسائل الإعلامية والبوليسية التي سخرتها الدعاية المضادة بكثافة ضد أفكار التقدم، واكتسابها المشروعية لدى الجماهير الشعبية العربية لتخلف الوعي لدى الجماهير الناجم عن ضعف التجربة السياسية وتمكن قيم العص الوسيط. إذ بموجب هذه القيم اعتبرت معارضة السلطان جريمة زندقة وخروج على الجماعة وإفساد في الأرض، و عقوبتها المألوفة على مدى القرون هي التصفية الفيزيائية. وحيث يُهدر دم المطارد من قبل جندرمة السلطان تغدو مظاهر التعاطف أو مجرد كلمة حق لصالحه مشاركة بالجرم. والانخداع الساذج بالأكاذيب الملفقة ضد العلمانيين كافة إباحية مناهضة لنظام الأسرة ومعادية للقيم الاجتماعية و.. الخ، لا يتقبلها سوى عقل جمده الانسحاق واعتاد التلقين وتلقي المعلومات دون نقد أو تمحيص أو تحقق. والمفاهيم المتخلفة والذهنية المتخلفة سهلت على الإمبريالية والرجعية تسويق دعاياتها وممارساتها، رغم ما انطوت عليه من فظاظة ولا إنسانية. وتشريك المرأة، وهي الفرية التي قدمت الاشتراكية مرادفة للإباحية، تنسجم مع منطق الاعتقاد المتخلف بأن المرأة شيء خاص بالرجل، ضمن الأملاك التي تنوي الشيوعية جعلها ملكية عامة.

قصور ذاتي

ما كان للاختلالات أن تستفحل وترسخ مواقعها في الحياة العربية لو ارتكز الفكر الوطني التقدمي على البحث في الواقع المتعين. تمظهر القصور الأساس في النشاط السياسي ـ الثقافي لقوى حركة التحرر العربية في الانغلاق داخل المقولات الإيديولوجية. لم يتأسس فكر تقدمي على قاعدة التحاور مع وقائع الحياة الاجتماعية ومعطياتها، ولم يطور فكراً وطنياً ديموقراطياً من مدخلات الحكمة التراثية وقيم الدين، ومن ثم جرى إغفال الشروط الاجتماعية والنفسية للتخلف الاجتماعي، والغفلة عن ضرورة إرساء أسس حكم القانون والمؤسسات وتنظيم الحياة الاجتماعية والنشاط الاجتماعي وفق خطط عقلانية. فما لم تنجز هذه المهام وينتزع الرأي العام مكانته المحصنة بالقانون لدى الأنظمة تظل التعددية الحزبية والاقتراع مظاهر شكلانية وأدوات خداع. وليس لغزاً محيراً أن تنكص الجماهير التي لبست إنسانيتها وتحررت من الخوف واجترحت البطولات أثناء الهبات الثورية في فلسطين، أو بلدان عربية أخرى، فتقبع من جديد، مع انحسار مزاجها الثوري، داخل أقفاص الوصاية السلطوية، وتتعايش مع أساليب القهر والإكراه، وتذعن للجبرية والخرافة.

نخوض المقاومة سياسياً، ونمارس في الثقافة مهمة هندسة الروح وتحصينها وتعزيز مناعتها حيال عوامل التخريب والإفساد والتشويه الجارية على مدار الساعة. ولا جدوى من مقاومة تطبيع أو أي مظهر للمقاومة إذا ما ضعفت المناعة الروحية. الثقافة تتلاحم مع السياسة. وتبرز الانتكاسات المتتالية ضرورة السير على نهج سياسي ـ ثقافي يعبئ الجماهير في منظمات نقابية ومهنية مستقلة عن السلطة، من شأنها أن تخضع حياة الناس وحركة الجماهير لخطط عقلانية تستأصل الخرافة والشعوذة من الوعي الاجتماعي، وتضمن إشراك الجماهير في الحياة الاجتماعية وهيئات المجتمع المدني، نقداً واقتراحاً ومعارضة. السياسة التقدمية تحرر الإنسان مادياً، والثقافة التقدمية تحرره روحياً، إذ تصفي جهل العصور القديمة وقيمها ومعاييرها التي تحط من قدر الإنسان، وتستأصل علاقة القهرـ الرضوخ ومظاهر القوة في التعامل الاجتماعي. يقتضي التقدم تسييس الثقافة من خلال ربطها بحركة المجتمع، وتثقيف السياسة، أي تنويرها برؤية علمية لقضايا الإنسان والمجتمع. الثقافة التقدمية مستقلة نسبياً عن السياسة، تسترشد بالبرامج السياسية وتسند النشاط السياسي بمضمون تنويري وتربوي ونقدي. ولكلٍ تعبيراته وأسلوب مقاربته للواقع ومنهجيته. فالسياسة مقيدة بتناسب القوى ومحصورة ضمن الملابسات الظرفية، بينما الثقافة تتعامل بالمطلق والجوهري من أجل التغيير والحركة الدائمة، وتستحضر التراث والتاريخ وتوظفهما لصالح التقدم، وتلهم الوجدان. الثقافة التقدمية نشاط يثري إنسانية المجتمع. ولا بد من استعادة الثقافة الوطنية حيويتها واستقلاليتها، كي تنهض بمهمة تحرير الإنسان .

الثورة لا تكتسب اسمها وقيمتها من شجاعة المبادرات وغزارة التضحيات، إنما بالاسترشاد بالفكر الثوري في التعبئة والتنظيم والتربية الثقافية التي تستأصل نفسية الانسحاق والاستلاب، وصولاً لتحقيق التغيير الاجتماعي الجذري. ما لم يتبدد الترويع بلا رجعة، وتسترشد إدارة الحركة الجماهيرية بحكمة التخطيط وإنسانية التعامل، فلن تسفر الهبات الجماهيرية عن تغيير ثوري. وقدم إلياس خوري في رائعته الدرامية “باب الشمس " نموذجاً نمطياً للمناضل الشجاع أثناء المواجهة المسلحة والاعتقال والتحقيق والمحاكمة، لكنه لم يتأهل لكفاح مثابر طويل النفس يعينه على احتمال ضغوط السجن، فيصاب باكتئاب. يتحرر من الاعتقال، كي يلقى إهمال الرعاية. الإهمال الوظيفي للطبيب المعالج نموذج نمطي للأداء المتخلف يتمثل في الرعاية الطبية المقدمة لواحد من مفجري الكفاح المسلح، فكيف الحال إزاء الجمهور العام؟ ، نهاية فاجعة لمناضل شجاع. يدفن سراً كالفضيحة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التخلف الاجتماعي.3
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إلــــى الأمــــام :: ********الــقــضـــايــا الـــنــظـريــة******** :: ***بــيــانــات وطنــيــة ومــحلــيــة***-
انتقل الى: